ووفقاً لـ "إرنا"، فقد أشار عراقجي إلى أن مقترح طهران يتضمن الشروط الإيرانية المتعلقة بفتح مضيق هرمز؛ حيث يُفترض أنه في حال استيفاء هذه الشروط، سيتم فتح الممر الملاحي في اليوم السادس على أن تُستأنف المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة في اليوم السابع.
وأضاف وزير الخارجية أن هذا المقترح قد تم تقديمه خلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، ومنذ ذلك الحين، تستمر المشاورات بشأن هذا الملف، حيث ساهمت الوساطة القطرية والباكستانية في تقديم رؤى تهدف إلى تعزيز فعالية وجدوى المقترح الإيراني.
وأوضح عراقجي أنه وبناءً على رؤية وزارة الخارجية تتضمن الشروط الإيرانية الإضافية ضرورة اعتماد المسار الجديد المتفق عليه بين إيران وسلطنة عُمان لعبور مضيق هرمز مع إغلاق المسارات الجنوبية الأخرى كما شدد على وجوب الإفراج عن كافة الأصول والأموال الإيرانية المجمدة بشكل غير قانوني من قبل الولايات المتحدة، وفي مقدمتها 6 مليارات دولار في قطر، مشيراً إلى أن الجانب القطري قد طرح حلولاً مشروطة بهذا الصدد.
وأكد وزير الخارجية على أن المطالب الإيرانية تتسم بالواقعية، ومن أبرزها إنهاء العمليات العسكرية على كافة الجبهات بما في ذلك لبنان. وأشار إلى أنه في حال التزام الولايات المتحدة بهذه الشروط — والتي سبق وأن أبدت قبولاً بها قبل نقضها — فإن ذلك سيمهد الطريق لاستعادة الاستقرار والحياة الطبيعية في منطقة الخليج الفارسي ومضيق هرمز.
وحول زيارة الوسيط القطري إلى طهران مؤخراً قال عراقجي: الزيارة تأتي في إطار استكمال المشاورات القائمة مع الوسطاء من قطريين وباكستانيين، ونحن نعرب عن تقديرنا البالغ للدور الذي يضطلع به كلا البلدين وأضاف: إن المخطط المطروح حالياً يستند إلى المبادرة الإيرانية الأصلية المعروفة بـ "خطة الأيام السبعة"، والتي تضمنت الشروط الإيرانية المتعلقة بفتح مضيق هرمز، على أن يتم فتح المضيق في اليوم السادس في حال استيفاء تلك الشروط، تليها استئناف المحادثات الإيرانية الأمريكية في اليوم السابع، وهذه هي الخطة التي طرحناها خلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، وقد شهدت هذه القضية مشاورات مستمرة منذ ذلك الحين، حيث بذل الوسطاء من قطر وباكستان جهوداً حثيثة لتقديم مقترحات تهدف إلى تعزيز فاعلية خطة الأيام السبعة وجعلها أكثر قابلية للتنفيذ.
ولفت وزير الخارجية إلى أن من ضمن المقترحات القطرية، تقليص الجدول الزمني للخطة من سبعة أيام إلى خمسة أيام أو أقل. وبناءً على المباحثات التي جرت فقد توصل الجانبان إلى صياغة خطة مدتها يومان فقط؛ بحيث تتخذ الولايات المتحدة في اليوم الأول سلسلة من الإجراءات اللازمة، ليتم في اليوم الثاني فتح مضيق هرمز واستعادة حركة الملاحة إلى وضعها الطبيعي.
وأضاف عراقجي: أما فيما يخص الشروط الواجب التزام الولايات المتحدة بها، فهي ليست مستحدثة، بل هي مستمدة من مذكرة التفاهم الموقعة في إسلام آباد، مع ظهور بعض المتطلبات الإضافية.
وحول الشروط الإيرانية التي تشمل؛ رفع العقوبات الأمريكية المفروضة والعودة إلى مذكرة تفاهم ورفع الحصار البحري بما يتيح تصدير النفط وما إذا كانت هناك المزيد من الشروط الإضافية قال وزير الخارجية: نعم، ثمة شروط أخرى تتضمن الالتزام بالمسار الجديد المتفق عليه بين إيران وسلطنة عُمان فيما يخص عبور مضيق هرمز، وإغلاق المسارات البديلة في الجنوب، وأضاف: كما نشترط الإفراج عن كافة أصولنا المالية المجمدة غير قانونياً من قبل الولايات المتحدة في مختلف الدول، وفي مقدمتها مبلغ 6 مليارات دولار في قطر، علماً بأن الجانب القطري قد طرح حلولاً مرتبطة ببنود هذا الاتفاق، لذا فإن مطالبنا تقع ضمن السياق المنطقي. بالإضافة إلى ذلك، نشترط إنهاء العمليات العسكرية على كافة الجبهات، بما في ذلك لبنان. لافتاً إلى إن الولايات المتحدة قد أبدت قبولاً مسبقاً بهذه الشروط وطبقتها فعلياً لمدة أسبوعين قبل أن تنتهكها؛ وفي حال الالتزام الكامل بها، سيصبح الطريق ممهداً لاستعادة الاستقرار في منطقة الخليج الفارسي ومضيق هرمز.
وفيما يتعلق بالموقف الأمريكي من الملف النووي وإنه سيكون محوراً رئيساً في المراحل المقبلة من المفاوضات أشار وزير الخارجية إلى أن المسألة يمكن حصرها في محورين؛ الأول يتعلق بملف مضيق هرمز وما يترتب عليه من شروط، والثاني يمثل محور الاهتمامات المشتركة بيننا وبين الجانب الأمريكي، حيث تسعى إيران للتفاوض من أجل الرفع الشامل للعقوبات، بينما ينصب تركيز الولايات المتحدة على الملف النووي. لافتاً إلى أن سياسة إيران تتلخص في ضرورة التوصل أولاً إلى قرار بشأن مضيق هرمز، والذي سيتم فتحه رهناً بتنفيذ الشروط الإيرانية، ومن ثم الانتقال لمناقشة القضايا المتبادلة واتخاذ القرارات اللازمة.
وشدد عراقجي على أن العقبة الجوهرية في العلاقة مع الولايات المتحدة تتمثل في غياب الثقة المتبادلة؛ فقد خضنا مسارات دبلوماسية ثلاث مرات خلال العامين الماضيين، وانتهت جميعها بتصعيد عسكري من الجانب الأمريكي، وبالرغم من أن الرئيس ترامب هو من وقع على تلك المذكرة، إلا أن الجانب الأمريكي انتهك الاتفاق في غضون أقل من أسبوعين. وبناءً على تجاربنا السابقة، بما في ذلك خرقهم لاتفاق العمل الشامل المشترك المبرم عام 2015 وانسحابهم منه، فإننا نتعامل مع المسائل التفاوضية والدبلوماسية بحذر شديد. لذا، يتوجب على الولايات المتحدة اتخاذ خطوات ملموسة لتعزيز الثقة إذا كانت تسعى جاهدة للتوصل إلى اتفاق، علماً بأننا ندرس حالياً مقترحات تتضمن آليات لبناء الثقة ضمن المفاوضات الجارية.
وحول ما إذا كان ممكناً أن يقبل الجانب الأمريكي قبول أي اتفاق دون اشتراط عودة المفتشين كخطوة أولى؟ أشار عراقجي إلى إن إيران دولة عضو في معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، وقد التزمت دوماً بكافة تعهداتها بموجبها. ومع ذلك، تبرز معضلة جديدة تتمثل في تعرض منشآتنا النووية، التي كانت تخضع لإشراف الوكالة الدولية وضمن أطر ضماناتها، لهجمات عسكرية؛ وهو سابقة غير مسبوقة في تاريخ المنشآت النووية عالمياً. وقال: لقد مثل هذا الهجوم تجاوزاً لخط أحمر من قبل الولايات المتحدة والكيان الصهيوني، مما أدى بالضرورة إلى تدهور علاقة إيران مع الوكالة الدولية هذا إلى جانب الغموض والتساؤلات الجوهرية من جانب إيران تجاه دور وممارسات الوكالة.
وأضاف عراقجي قائلاً: إن الوكالة الدولية للطاقة الذرية تفتقر إلى بروتوكول معتمد وآلية محددة لتفتيش المنشآت التي تعرضت لهجمات، وهو ما حال دون التوصل إلى اتفاق معها يضمن معالجة مخاوفنا واستئناف التعاون الطبيعي. ونرى أن هذه المسألة تندرج ضمن القضايا التي يمكن طرحها للنقاش عقب تجاوز عقبة فتح مضيق هرمز، وفي حال التوصل إلى اتفاق نووي مستقبلاً، فستلعب الوكالة دوراً محورياً فيه؛ إلا أننا نؤكد على ضرورة الفصل بين مسارين مختلفين: المسار الأول يتعلق باتفاق فتح مضيق هرمز، وهو ملف مستقل بشروطه الخاصة عن الملف النووي وقابل للتنفيذ. أما المسار الثاني فيتعلق بالبرنامج النووي الإيراني، والذي يتطلب أولاً إرساء قواعد الثقة المتبادلة، لتبدأ بعد ذلك مرحلة الحوار التي ستحدد طبيعة إجراءاتنا بناءً على نتائجها. ومن البديهي أن يكون للوكالة دور في أي اتفاق نووي، رغم الطبيعة المعقدة للغاية لهذا الملف.
وبشأن المقترحات المطروحة في هذا الصدد لفت وزير الخارجية إلى أنه ثمة مقترحات قيد الدراسة حالياً، إلا أنها تندرج ضمن المراحل اللاحقة. وتتركز المرحلة الأولى على ملف فتح مضيق هرمز، وهو أمر مشروط باستيفاء إيران لمتطلباتها حيث أن إنجاز هذه المرحلة من شأنه تمهيد الطريق وإرساء دعائم الثقة اللازمة، مما يسهل معالجة القضايا اللاحقة.
وحول الجهة التي ستتولى ضمان أي اتفاق جزئي يتعلق بمضيق هرمز وهل ستكون روسيا، أم الصين، أم عبر وسطاء مثل قطر وباكستان، أم السعودية، أم الدول الأعضاء في حلف مكة قال عراقجي: إن الضامن الوحيد هو القوات المسلحة للجمهورية الإسلامية الإيرانية؛ ففي العلاقات الدولية، لا توجد ضمانات مطلقة، وقوتنا هي الضمانة الحقيقية لأي اتفاق. إن أي اتفاق نبرمه سيكون مرتكزاً على إرادة شعبنا وقوة قواتنا المسلحة.
وبشأن الموقف الإيراني وهل أن إيران تتبنى موقفاً يتسم بالعناد في الوقت الذي تعاني إيران من تحديات إقتصادية توثر على الشعب الإيراني والمنطقة قال وزير الخارجية: إنني لا أنكر وجود ضغوط اقتصادية، إلا أننا لن نستسلم لها أو نتراجع أمامها، ولن نساوم على كرامتنا أو استقلالنا السيادي تحت وطأة هذه التحديات، فنحن عازمون على مواجهة هذه الأزمات وتجاوزها من خلال تعزيز قوتنا الذاتية.
وحول تقييمه للرسالة التي وجهها نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس" وكونها خاطبت أمين المجلس الأعلى للأمن القومي اللواء "محسن رضائي" في ظل التصورات القائلة بأن صناعة القرار وحسم القضايا تقع ضمن صلاحيات المؤسسة العسكرية وليس لدى السياسيين مثل وزير الخارجية أو رئيس البرلمان أو الرئيس سلطة القرار النهائي، رد وزير الخارجية بالقول: يكمن أحد أبرز الأخطاء الأمريكية في الجهل بطبيعة الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وشعبها، ومسؤوليها، ونظام الحكم فيها، من خلال الاعتقاد بوجود انقسامات داخلية؛ وهو فهم مغلوط تماماً. ومن واقع مشاركتي في اجتماعات رفيعة المستوى، أؤكد وجود إجماع وطني شامل بين الحكومة والبرلمان والمجلس الأعلى للأمن القومي والقوات المسلحة. ورغم وجود مداولات ونقاشات مستفيضة، إلا أننا نلتزم جميعاً بالقرارات المتخذة ونعمل على تنفيذها بشكل موحد. وأضاف: أما فيما يتعلق برسالة السيد فانس إلى السيد رضائي، فإن عليهم مراجعة أهدافهم؛ فإذا كانت تهدف إلى إبقاء قنوات الحوار والتواصل مفتوحة، فإننا نعتبرها خطوة إيجابية، أما إذا كان الغرض منها إثارة الفتنة، فإن ذلك سيُعد خطأً جديداً.
وحول ما تشير إليه التقارير الأمريكية بشأن أسباب غياب قائد الثورة الإسلامية وعدم صدور أي بيانات أو رسائل صوتية منه، فضلاً عن عدم ظهوره العلني لفت عراقجي إن قائد الثورة يتمتع بحضور قيادي فاعل ومؤثر؛ حيث تُعرض عليه كافة القضايا والسياسات الوطنية، وإن المسؤولين يتلقون توجيهاته وقراراته بانتظام، مما يضمن استمرارية العمل بكفاءة تامة. أما فيما يتعلق بعدم نشر صوره أو خطاباته، فإن ذلك يعود بالدرجة الأولى إلى اعتبارات أمنية بحتة؛ حيث تواجه إيران تهديدات واغتيالات من قبل أعداء، وهو أمر سبق وأن واجهته في الحروب السابقة، حيث استُهدفت شخصيات سياسية وعسكرية بشكل غير مشروع، بما في ذلك استشهاد قائد الثورة الإسلامية آية الله العظمى السيد علي الخامنئي واغتيال مسؤولين عسكريين في مقار إقامتهم. لذا، فإن توخي الحذر واتباع بروتوكولات أمنية صارمة هو إجراء طبيعي وضروري، وهو قرار اتُخذ لحماية أمنه الشخصي، ولم يؤثر بأي حال من الأحوال على سير إدارة الدولة أو عملية صنع القرار، إذ إن التواصل معه مستمر ويتم على النحو الأمثل.
وبشأن ما إذا عقد معه شخصياً لقاءً في الآونة الأخيرة قال وزير الخارجية: لم يجمعني به لقاء شخصي، إلا أن عدداً من الزملاء، ومن بينهم الدكتور قاليباف، والسيد إيجئي، والرئيس بزشكيان قد التقوا به مؤخراً، وقد أجمعوا على تمتع سيادته بصحة ممتازة، وعزيمة قوية، ومعنويات مرتفعة، فضلاً عن إلمامه الشامل بكافة القضايا الراهنة التي تشغل البلاد.
وحول ما تضع إيران في الحسبان احتمال قيام الولايات المتحدة بشن هجوم على إيران سواء قبيل انتخابات التجديد النصفي في الثالث من نوفمبر أو في أعقابها لفت عراقجي إلى أن إيران تضع كافة السيناريوهات والتحولات المحتملة قيد الدراسة وأضاف: بناءً على تجاربنا مع الإدارة الأمريكية خلال العامين الماضيين، فإننا على أقصى درجات الجاهزية لمواجهة أي طارئ، بل إننا في حالة استنفار غير مسبوقة؛ إذ استخلصنا دروساً جوهرية من الحروب السابقة، وعملنا على تحديث منظوماتنا الدفاعية، ومعالجة ثغراتها، وتعزيز قدراتها، كما يجري حالياً اختبار تقنيات عسكرية جديدة. وشدد على أن القوات المسلحة الإيرانية في أعلى مستويات الاستعداد للقتال والدفاع عن الوطن. وقال: إنني على ثقة تامة بأنه في حال اندلاع أي مواجهة عسكرية، فإن الولايات المتحدة لن تتمكن من تحقيق أي من أهدافها، وستواجه إخفاقاً جديداً يضاف إلى سجل هزائمها السابقة، تماماً كما حدث في الحروب التي توهموا أنها ستكون خاطفة، فإذا بها تمتد لشهور طويلة.
وبشأن ماذا كان يتعين على دول الجوار في منطقة الخليج الفارسي بما في ذلك الكويت والبحرين والمملكة العربية السعودية وقطر والإمارات وسلطنة عمان، بالإضافة إلى أجزاء من العراق والأردن، توقع رد فعل إيراني في حال تعرضت إيران لهجوم عسكري من قبل الولايات المتحدة والكيان الصهيوني وهل ستكون هذه الدول عرضة للاستهداف كما حدث في التصعيد السابق أشار وزير الخارجية إلى أن العمليات العسكرية الإيرانية اقتصرت على استهداف القواعد والأهداف الأمريكية حصراً، ولم تستهدف تلك الدول، ولقد استهدفت قواعد عسكرية أمريكية تقع -للأسف- داخل أراضي تلك الدول. وكانت قد أبلغت الدول مسبقاً بأنه في حال تعرضت لهجوم أمريكي، فمن المنطقي ألا تتوجه صواريخها نحو الأراضي الأمريكية في الوقت الراهن، بل ستكتفي بالدفاع عن نفسها عبر استهداف القواعد العسكرية الأمريكية المتواجدة في المنطقة، والتي تُستخدم للأسف لمهاجمتها، علماً بأن بعض الدول قد سمحت باستضافة هذه القواعد. وأضاف: إننا نسعى جاهدين لبناء علاقات طيبة مع دول المنطقة، وقد أوضحتُ هذا الموقف لجميع وزراء خارجية دول مجلس التعاون خلال لقائنا في نيويورك، مؤكداً أن أهدافنا تقتصر على المصالح الأمريكية فقط. أما في حال انحراف أي صاروخ عن مساره أو خروجه عن السيطرة، فهذا أمر وارد تقنياً في أي صراع مسلح، ولا يقع ضمن مسؤوليتنا، بل يعود لوجود تلك القواعد على أراضي تلك الدول. ومن الجيد أن دول المنطقة أدركت أن هذه القواعد لا توفر لها الأمن، بل هي عاجزة حتى عن حماية أمنها الخاص.
وحول الموقف من دول المنطقة قال عراقجي: إن بعض هذه الدول وللأسف قد ساهم في تشجيع الولايات المتحدة على مهاجمة إيران، وآمل أن يكون ذلك قد شكل درساً لها. مشيراً إلى أن السبيل الأمثل يكمن في إقناع الجانب الأمريكي بضرورة تجنب اندلاع حرب جديدة، كوننا مضطرين للدفاع عن سيادتنا؛ إذ لا يمكن لأحد أن يتوقع منا الوقوف مكتوفي الأيدي في حال تعرضنا لأي عدوان.
وفيما يتعلق بالأسباب الكامنة وراء استهداف إيران للقاعدة الأمريكية في الأردن خلال الحرب في حين لم يتم استهداف القواعد الصهيونية المجاورة التي انطلقت منها الطائرات الأمريكية أشار وزير الخارجية إلى أن العمليات الإيرانية شملت القواعد الصهيونية والأمريكية على حد سواء، ولقد فرضت ظروف الحرب واقعاً استوجب الدفاع عن النفس، وهو النهج الذي ستواصل الالتزام به مستقبلاً.
وحول ما إذا ستقوم إيران بتوجيه ضربات نحو أهداف في دول الخليج الفارسي في حال تعرضت لهجوم أمريكي لفت عراقجي إلى أن لكل حرب مقتضياتها وظروفها الخاصة ولقد تكبد الشعب الإيراني خسائر فادحة بلغت نحو 4000 شهيد، من بينهم 168 طفلاً في مدرسة واحدة فقط، فضلاً عن استشهاد قيادات ومسؤولين بارزين. وقال: في ظل هذه المعطيات، لا يمكن لوم أي طرف على اتخاذ موقف دفاعي؛ لقد دافعنا عن سيادتنا، ومع اعترافنا باحتمالية وقوع أخطاء تقنية أدت لإصابة أهداف غير مقصودة أو خروج صواريخ عن مسارها، إلا أن الواقع يفرض نفسه، ومن الضروري أن تدرك دول الخليج الفارسي أن السبيل الأمثل لتجنب التصعيد الأمريكي الصهيوني ضد إيران يكمن في الإدانة الصريحة لأي اعتداء يقع علينا، حيث لم نرصد أي مواقف إدانة من جانب أشقائنا خلال المواجهة الأخيرة.
وحول الخطوات التي يمكن لدول الخليج الفارسي اتخاذها لتجنب الانخراط في الصراع أو التعرض للاستهداف لفت وزير الخارجية إلى عدم وجود أي ضغائن تجاه هذه الدول، مشيرًا إلى أن التعاون المشترك معها قد شهد نتائج مثمرة خلال الأشهر الماضية. وأكد على عمق العلاقات التعاونية مع سلطنة عُمان، مستذكرًا دورها التاريخي كوسيط بين طهران وواشنطن، كما أشاد بالدور الإيجابي والفعّال الذي تضطلع به دولة قطر في الوقت الراهن، مع الإشارة إلى استمرار التواصل مع المملكة العربية السعودية، وأشار إلى استقبال طهران كلاً من قائد الجيش الباكستاني ورئيس جهاز المخابرات التركي ووزير الدفاع السعودي مؤكدًا استمرار المحادثات القائمة التي تم خلالها استعراض وتوضيح مواقف بلاده.
وبشأن الرسالة الجوهرية التي حملتها زيارة الوفد رفيع المستوى في الدول الأعضاء في "حلف مكة" إلى طهران والمقترحات التي قدمها الوفد، والنهج الذي تتبعه هذه الدول في إدارة علاقاتها مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية قال عراقجي: لقد عقدنا مباحثات مثمرة مع هذه الدول تمحورت حول الأطر الأمنية المستحدثة في المنطقة. وخلال هذه الزيارة الثلاثية، استعرضنا ملفات الأمن الإقليمي والهياكل الأمنية الجديدة؛ حيث نؤكد على ضرورة التوصل إلى ترتيبات أمنية إقليمية تعتمد حصرياً على دول المنطقة وتخلو من التدخلات والقوى الأجنبية. وهذا هو النهج الذي انتهجته إيران تاريخياً، وأعتقد أن دول الخليج الفارسي قد تبنت السياسة ذاتها.
وأضاف وزير الخارجية: كان الهدف من الاجتماع في طهران هو اللقاء بين قوى إقليمية فاعلة لمناقشة قضايا إقليمية مشتركة. وتمثلت الرسالة المحورية للزيارة في تعزيز التعاون بين القوى الكبرى في المنطقة لمواجهة التهديدات والتحديات الإقليمية. وبالرغم من توقيع الدول الثلاث على ميثاق مكة إلا أن زيارتها لطهران لم تكن بصفتها أعضاء في الميثاق، بل بصفتها دولاً إقليمية كبرى تجري مشاورات مع دولة إقليمية كبرى أخرى. وأرى أن هذه الخطوة اتسمت بالإيجابية والبناء، حيث اتفقت الدول الأربع على استمرار وتيرة المشاورات والمحادثات، ونحن بصدد التخطيط لمواصلة هذه الحوارات على مختلف المستويات وبشكل مستدام.
حول ما تمثله الحرب بين السعودية وحركة أنصار الله في اليمن من قضية ذات أهمية استراتيجية بالغة، لا سيما مع استهداف مواقع حيوية تشمل مطار الملك خالد الدولي في الرياض، ومطارات أخرى ومنشآت نفطية أشار وزير الخارجية إلى إنه تناول هذا الملف على هامش اجتماع الدول الثلاث في طهران لافتاً إلى أن القضية اليمنية تتسم بتعقيدات تاريخية وجيوسياسية عميقة؛ إذ تستمر الحرب في اليمن منذ سنوات، بالتزامن مع استمرار الحصار المفروض على الشعب اليمني. وأضاف: كما أشرت سابقاً، فإنه من المؤسف لجوء المسلمين إلى الصراع المسلح لتسوية خلافاتهم، ومن هذا المنطلق نؤكد استعدادنا التام لمساندة طرفي النزاع وسنبذل قصارى جهدنا للمساهمة في إنهاء هذه الحرب متى ما طُلب منا ذلك. كما أبلغنا الجانبين السعودي واليمني برغبتنا في ذلك، علماً بأن هناك محادثات جارية بينهما بالإضافة إلى جهود وساطة تقودها أطراف مختلفة. ونحن نجدد تأكيدنا على تقديم أي مساعدة قد تُطلب منا في هذا الصدد.
وحول إرتباط تصعيد التوترات في اليمن بالأزمة الأوسع نطاقاً بين إيران والولايات المتحدة قال وزير الخارجية: من المنظور العام، تتسم القضايا الإقليمية بالترابط والتشابك؛ إذ يرى قادة دول مثل فرنسا وألمانيا أن الأزمات في المنطقة تلقي بظلالها على استقرارهم، ومع ذلك عند التحليل الدقيق نجد أننا أمام مسارين منفصلين؛ فالتوترات في مضيق هرمز لها مسبباتها الخاصة، وكذلك الحال بالنسبة للأوضاع في باب المندب ولكل منهما سياقه وحلوله المستقلة، وإننا لا نؤيد إطلاقاً اتساع رقعة الصراع بين الدول الإسلامية ورغم استعدادنا لتقديم الدعم إلا أننا نؤكد على استقلالية هاتين القضيتين، وإن كان هناك ترابط غير مباشر بينهما.
وفيما يتعلق بالتساؤلات التي تثار حول وجود فصائل مسلحة في العراق تعمل خارج إطار المؤسسات الحكومية الرسمية، ومدى الدعم الإيراني لهذه الفصائل لفت عراقجي: إلى أن هناك تتعدد في الرؤى والمواقف داخل العراق وإنه يرى أن من الصعب إطلاق أحكام مسبقة حول طبيعة العلاقات الإيرانية العراقية. فلقد مرّت المنطقة بظروف تاريخية معقدة، بدءاً من الحرب التي فُرضت على إيران لمدة ثماني سنوات من قِبل أطراف عراقية، مروراً بالاحتلال الأمريكي للعراق، وصولاً إلى ظهور تنظيم "داعش" وهي أحداث ارتبطت ارتباطاً وثيقاً بالأمن القومي الإيراني. وفي الآونة الأخيرة، رصدنا مساعي أمريكية لتسليح جماعات معارضة لإيران داخل الأراضي العراقية.
ولفت عراقجي إلى إن امتلاك إيران حدوداً مشتركة طويلة، وإرثاً تاريخياً، ومصالح استراتيجية متبادلة مع العراق يجعل من الطبيعي أن تتقاطع القضايا الأمنية بين البلدين. وقال: نحن نسعى دوماً لتوطيد علاقة تقوم على المصالح المشتركة والاحترام المتبادل. أما فيما يخص الفصائل المسلحة، فإنها تُعد شأناً داخلياً عراقياً بامتياز؛ فقد نشأت هذه الفصائل في مرحلة سيطرة تنظيم داعش على مساحات واسعة من العراق، وشاركت في العمليات العسكرية لمواجهة التنظيم وتقديم التضحيات لحماية وحدة البلاد وأشار إلى أن كيفية تنسيق هذه الفصائل مع الحكومة الحالية أو مع الأطراف الأخرى هي مسألة سيادية عراقية تخضع لقرار العراقيين وحدهم، ولا علاقة لإيران بها، رغم أن استقرار العراق يؤثر مباشرة على أمن إيران، وهو ما يبرر وجود اهتمامات ومخاوف أمنية لدينا، ونحن نؤكد أن علاقتنا مع العراق علاقة ودية ومتينة.
وشدد عراقجي على أن دعم إيران للقوى التي تتبنى أهدافاً عادلة لا يُعد مظهراً من مظاهر الضعف بل إن هذه القوى تستحق دعم كافة الدول الإسلامية. فالحشد الشعبي في العراق على سبيل المثال نشأ لمواجهة الاحتلال وكافة الفصائل العراقية تأسست ابتداءً لمقاومة الاحتلال الأمريكي ثم لمكافحة تنظيم "داعش" والجماعات التكفيرية، وهو تحدٍ واجهته كافة دول المنطقة.
ولفت وزير الخارجية إلى أن حركات المقاومة تتبنى أهدافاً سامية ومقدسة وإن إيران ملتزمة بدعمها، ولا ترى في ذلك تعارضاً مع سعيها لإقامة علاقات طيبة وتفاهمات متبادلة مع دول المنطقة والجوار، وإنها على ثقة بأن تعزيز لغة الحوار سيسهم في تبديد الكثير من سوء الفهم القائم.
وحول ما إذا كانت إيران تشهد تراجعاً في نفوذها الإقليمي قال عراقجي: لا أرى الأمر كذلك فما تعرضت له ليس إيران، بل هي قوى المقاومة التي واجهت ضربات عنيفة جراء المؤامرات الصهيونية في لبنان وسوريا ومع ذلك، فإن فكرة المقاومة لا تزال قائمة بل وتزداد رسوخاً وتأثيراً. وقال: إن تعرض حزب الله لضربات هو أمر ليس بجديد فكما استشهد أمينه العام السيد عباس موسوي سابقاً، نهض الحزب من جديد ليصبح أكثر قوة وتنظيماً، واعتبر عراقجي إن المقاومة تستمد استمراريتها من تضحيات شهدائها، فدماء الشهداء هي التي تغذي مسيرة هذا المشروع معرباً عن اعتقاده بأن مستقبل المقاومة واعد نظراً لارتكازها على مبادئ وقيم سامية ولا يمكن تصنيف هذه الضربات الموضعية كخسائر استراتيجية، فالمسارات النضالية بطبيعتها تنطوي على مواجهات وتحديات، والمهم هو إدراك الدور الصهيوني المحوري في هذه المؤامرات وتجنب المسارات الخاطئة. أما بخصوص ما جرى في سوريا، فهو يمثل درساً تاريخياً للمسلمين، ومع تمنياتنا بالخير للشعب السوري، إلا أنني أرى أن التاريخ كفيل بتقديم الدروس المستفادة من تلك الأحداث.
وفي الشأن الداخلي الإيراني وتعدد الآراء داخل المجتمع قال وزير الخارجية: لا يوجد مانع من تعدد الآراء داخل المجتمع الإيراني فنحن نمتلك وحدةً في الممارسة والعمل، وإن وُجد تباينٌ في الرؤى الفكرية، فإننا نحترم كافة وجهات النظر ونوليها الاهتمام اللازم، وإن الاختلاف في الآراء حول مختلف القضايا أمرٌ طبيعي، إلا أن مجتمعنا يتميز بتماسكه الوثيق، وهو ما تجلى بوضوح خلال فترات الحروب الأخيرة؛ حيث شهدنا تلاحماً اجتماعياً فريداً توحدت فيه كافة الأطياف رغم تباين أفكارها. ورغم وجود تفاوت في وجهات النظر بشأن العلاقات مع الولايات المتحدة، أو الملفات الإقليمية، أو القضايا الاقتصادية، إلا أننا نؤكد على وحدتنا الفعلية على أرض الواقع.
واختتم عراقجي بالقول: إن آلية صنع القرار في إيران تتسم بالوضوح، حيث نعتمد في تحركاتنا على مبدأ التوافق، وهو النهج الذي التزمنا به دوماً. وإن الحفاظ على استقلالنا وصون كرامتنا والقدرة على الصمود والمواجهة أمام الولايات المتحدة والكيان الصهيوني طوال الأشهر الثمانية الماضية ما هي إلا مؤشرات حقيقية على قوة الجمهورية الإسلامية الإيرانية وهي قوةٌ دفعنا ثمنها وسنستمر في دفع الثمن من أجلها، ولا شك أن هذا المسار يتطلب تضحيات، لكننا لن ننحني أبداً أمام أعدائنا.
إنتهى ** ا.ح